محمد المختار ولد أباه
69
تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب
أكمل عملية التدوين . ولكن يبقى لعيسى بن عمر فضيلة السبق في التأليف . غير أن استغناء النحويين عن كتبه لا يعنى أن ذكره قد اضمحل عندهم ، لقد سجل المؤرخون مناظراته ، وحفظوا كلماته في الغريب ، ودونوا بعض آرائه واختباراته . سبقت الإشارة إلى مناظرته مع أبي عمرو بن العلاء في إعراب « ليس الطيب إلا المسك » وإلى إقرار انتصار خصمه فيها ، ويروي الزبيدي له مناظرة أخرى مع الكسائي حول « همّك ما أهمك » ولما جاء الكسائي باحتمالات إعرابها ، قال له عيسى : « إنما أريد كلام العرب ، وليس هذا الذي تأتي به من كلامها » ، وكأنه بهذا الإنكار كان من رواد منتقدي الكسائي في التوسع في دائرة السماع « 1 » . ومن آرائه التي اشتهر بها أنه لا يسلم للعرب فصاحة كل ما قالوه ، فقد عاب على النابغة قوله : فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة * من الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع فقد قال إن من حق « ناقع » أن تكون منصوبة « 2 » ، وعيسى كان ميالا إلى النصب ، ولقد قرأ ( هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ) ( هود - الآية 78 ) ، بنصب « أطهر » ولم يوافقه أبو عمرو في هذا الحرف ، وإن كانا قد اتفقا في نصب « وَالطَّيْرَ » من قوله تعالى : يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ( سبأ - الآية 10 ) ولكنهما اختلفا في التوجيه ، فيقول عيسى إنها عطف على محل النداء ، بينما يرى أبو عمرو أنها نصبت بإضمار « وسخرنا » « 3 » . ومما حفظ عنه الغريب ، قوله ليوسف بن عمر بن هبيرة ، « إن كانت إلا أثياب في أسيفاط قبضها عشاروك » « 4 » ، وقوله لأبي عمرو : « وما شعرت حتى وقع قرانهما في عنقي فلبج بي فافرنقع عني والناس ينظرون » « 5 » . ومن الغريب
--> ( 1 ) طبقات النحويين ، ص 42 . ( 2 ) الزبيدي : طبقات النحويين ، ص 41 . ( 3 ) المصدر والصفحة نفسها . ( 4 ) طبقات النحويين ، ص 42 . ( 5 ) المصدر نفسه ، ص 44 .